الشنقيطي

444

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأنواع الخيانات ؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك طاعة له . وأما مشاركته لهم في الأولاد فعلى أصناف أيضا : منها - قتلهم بعض أولادهم طاعة له . منها - أنهم يمجسون أولادهم ويهودونهم وينصرونهم طاعة له وموالاة . ومنها - تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العز ونحو ذلك ، لأنهم بذلك سموا أولادهم عبيدا لغير اللّه طاعة له . ومن ذلك أولاد الزنى ؛ لأنهم إنما تسببوا في وجودهم بارتكاب الفاحشة طاعة له إلى غير ذلك . فإذا عرفت هذا - فاعلم أن اللّه قد بين في آيات من كتابه بعض ما تضمنه هذه الآية من مشاركة الشيطان لهم في الأموال والأولاد ، كقوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 ) [ الأنعام : 140 ] فقتلهم أولادهم المذكور في هذه الآية طاعة للشيطان مشاركة منه لهم في أولادهم حيث قتلوهم في طاعته . وكذلك تحريم بعض ما رزقهم اللّه المذكور في الآية طاعة له مشاركة منه لهم في أموالهم أيضا . وكقوله وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [ الأنعام : 136 ] الآية ، وكقوله : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) [ الأنعام : 138 ] ، وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) [ يونس : 59 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . ومن الآحاديث المبينة بعض مشاركته لهم فيما ذكر - ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم » « 1 » ، وما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال بسم اللّه ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان » « 2 » انتهى . فاجتيال الشياطين لهم عن دينهم ، وتحريمها عليهم ما أحل اللّه لهم في الحديث الأول ، وضرها لهم لو تركوا التسمية في الحديث الثاني - كل ذلك من أنواع مشاركتهم فيهم . وقوله « فاجتالتهم » أصله افتعل من الجولان : أي استخفتهم الشياطين فجالوا معهم

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه البخاري في النكاح حديث 5165 ، ومسلم في النكاح حديث 116 .